الثلاثاء، 12 فبراير 2013

بسمة



كانت فتاة جميلة لم أرها يوما الا في أعماقي أو حين أسكن الى ذاتي .. كانت فتاة أصيلة علمتني مالم يعلمني غيرها من كبار الأساتذة أو شيوخ العلماء .. هذه الفتاة علمتني الكثير جدا وهو قليل  , علمتني الابتسامة !

أذكر حين ظهرت لي وقالت : "اجعل لك من البسمة عنواناً وعش اليوم كما أردت انساناً " , لو كان قد حدثني غيرها ذلك الحديث في ذلك الوقت لكنت سببته ربما .. لم أكن في ذاك اليوم الا في أسوأ أحوالي وأضيق ظروفي على الاطلاق و كنت أبعد ما يكون عن الابتسامة , ولكنني ولسبب ما .. لم أستطع الا أن أسمعها وأستسلم لسحر ابتسامتها .. قالت لي :" ابتسم تبتسم لك الحياة " ثم اختفت , رغم أني قد سمعت هذه العبارة فوق الألف مرة من قبل الا إنني سمعتها وكأنها أول مرة .. هل ربما لأنه قد سحرني جمال ابتسامتها ورقة صوتها فاستسلمت لها أم لأنها خرجت ممن يعي جيدا ما يقول !!
مرت أيام وأسابيع وشهور ولم أبتسم , ولم أحاول حتى !

وفي أحد الأيام و حينما كنت أمشي في أحد الشوارع الفقيرة وجدت طفل صغير يلعب و يجري و جاء عندي ووقف أمامي وهو يضحك ثم جرى مسرعا لأصحابه مرة أخرى .. لا أدري لم ابتسمت ولا أعرف لكم من الوقت فعلت ذلك .. وقبل أن يتملكني شعور بالغضب نتيجة لهروب تلك الابتسامة من أعماقي دون أن تستأذن , قبل أن يحدث ذلك أحسست بذلك الشعور , نعم إنه نفس الشعور الذي أحسسته من قبل عند مقابلتي لتلك الفتاة لأول مرة وكم كان شعوراً رائعاً .. وبقدر غضبي الذي لم ينطلق كانت فرحتي بذلك الاحساس الذي لا يوصف ..
نسيت الموضوع و رجعت مرة ثانية الى أيام و أسابيع بدون ابتسامة واحدة .. حتى ذلك اليوم الآخر , حين كنت أمشي في نفس الشارع ووجدت ذلك الفقير على جانب الطريق في حالة يرثى لها , لم يكن من عادتي أن أعطيهم شيئا , وهو لم يكن يشبه أي فقير و لم يكن يطلب من الناس العطاء , اقتربت منه حتى كدت أن أصل اليه لأعطيه بعض المال فوجدته ينظر الى نظرة صارمة معناها " لا تقترب , من الأفضل لك " أحسست منه أنه كاد أن يطيح بكرامتي إن أنا أعطيته شيئا و شككت للحظة في نفسي أكنت المحتاج أم هو! , ابتعدت قليلا وعرفت من شاب يملك محلا في الجوار أنه فقير لا يسأل الناس ولا يأخذ دون مقابل , لم أكن أعرف ماذا سآخذ منه في المقابل لكنني قد أصررت أن أساعده – ربما لأنني لا أقبل أن يرفض أحد لي طلب - ,, عدت بعد يومين وقد وجدت له عمل مناسب في احدى المصانع التي يملكها أحد أقاربي , لا أتذكر تفصيلات الحوار ولكنني لا أنسى أبدا تلك الابتسامة التي علت وجهه شكراً وامتناناً , ربما تحمل من معاني الكلمات ما لا يحمله ديوان شعر كاتب فصيح ومعها ارتسمت ابتسامتي أنا أيضا  .. و رجع ذلك الشعور مرة أخرى وأحسست بنشوة مضاعفة عما قبلها ووجدت كأن فيضاناً من سحر الفتاة قد غمرني فأغرقني فيه  !
لا أكذب حين أقول انني قد أعجبني الموضوع , إبتسامة صغيرة و متعة كبيرة .. "ولم لا" : قلت لنفسي .
لم يكن الموضوع سهلاً أيضا فالابتسامة ليست عطرا ترشه على كل من يقابلك ,إنها شيء يخرج من داخلك ليصل إلى داخل من أمامك فيجعل جسرا قد نشأ بينكما و يجعلكما تتشاركان نفس الاحساس و كأنكما تعرفان بعضكما منذ زمن بعيد !!
 ولكنني قررت أن أحاول لكي أحظى بما أريد !
في اليوم التالي بينما كنت أمشي  - ربما في نفس الشارع - اذا بسائق سيارة مجنون كاد أن يصدمني , واذا بي أستعد لألقي وابلا من الشتائم ولأعلمه درساً لن ينساه , وجدته يوقف سيارته و يخرج معتذرا بسرعة أن امرأته في المشفى قد وضعت ولدها الأول وهو يريد اللحاق بها , لم أدري بنفسي حين قلت له :"لا عليك" مع ابتسامة عريضة , الا بعد ذهابه تقريباً بقرابة العشر دقائق , لقد كانت جرعة السحر قوية جدا هذه المرة لدرجة التخدير ربما لأنني من بدأ بالابتسامة , ولكنني قد بدأت أدرك حقيقة الأمر .. " الابتسامة لها سحر خاص بها , الابتسامة مرض معدي , الابتسامة إدمان , الابتسامة لها طعم مختلف حين تبدأ بها أنت " , كانت هذه العبارات تتردد في رأسي بصوت الفتاة التي لم أرها مرة أخرى ولا أعرف ان كنت سأراها أو لا ..

قررت أن أكمل فقد أصبحت الآن مريضاً بداء "الابتسامة" المعدي ولن أتوقف حتى ينتشر الوباء في العالم أجمع ,, لا حياة لي بعد الآن دون ابتسامة و حين تذكرت ما ضاع من عمري قبل أن أعرف تلك الفتاة لم أمتلك الا إبتسامة الحسرة !!


شكرا يا فتاتي ,,
لم تخبرني يوما باسمها ..
ولكني لم أتخيل أن لها اسماً آخر سوى ..
..

 "بسمة" !





هناك 4 تعليقات:

رأيك يهمني :)