الخميس، 21 فبراير 2013

الطريق إلى القمر



استيقظت من نومي مذعوراً بعد كابوس هو الرابع من نوعه في أقل من أسبوع لأجد غرفتي مظلمة فوق العادة ..

 أمدد يدي تحت وسادتي لأبحث عن جوالي الراقد تحتي دوماً لإيقاظ شعاع نور أو لتحسس أيٌ من ملامح الوقت لأجده قد تخلى عني وانسحبت منه آخر قطرات الطاقة ليزيد ظلمة الغرفة رهبة ..

 أحاول التفكير في تاريخ اليوم أو اسمه أوحتى موقفي من ذلك اليوم لأعرف كم غبت فيه ومنذ متى نمت أو استيقظت !! 

أشعر بصداع رهيب في جانب رأسي الأيسر , أتكئ مرة أخرى على الوسادة لدقائق ثم أنادي على أحد من اخوتي ليعطيني أي معلومة مفيدة في ذلك اليوم الذي لا ملامح له !


أجد نفسي وحيداً في الشقة فأضطر آسفاً للقيام بنفسي , أترنح كالسكير يمنةً ويسرةً حتى أصل لمفتاح الكهرباء لأشغله , وكصدفة مثيرة أجد الكهرباء قد قررت أن تستريح اليوم أيضاً من عملها , أخرج للشرفة لأتأكد من انقطاع التيار عن شارعنا الصغير !

كم أنا غبي , لا أعرف حتى أماكن الشمع أو الكشافات اليدوية .. أذهب لغرفتي مرة أخرى لأرتدي ملابسي المرمية مسبقاً في أماكنها الثابتة من الغرفة !

آخذ مفتاحي وفقط وأنزل من المنزل مسرعاً , توقفت لحظة بعد أول عشر درجات لأسأل نفسي الى أين أنا ذاهب ولأتذكر أني لم ألتقط محفظتي أو جوالي الغائب عن الوعي حالياً !

أنزل مرة أخرى وكأن شيئاً لم يكن أو كأن سؤالاً لم يُسأل لأنزل من باب البيت وأخرج إلى شارعنا المظلم ..


أتفادى أماكن الحفر والتعثر الكثيرة والأحجار المتناثرة بمهارة وتلقائية رغم الظلام الحالك لأخرج الى طريق لم أعتاد المشي فيه !


لم يكن دماغي قد استيقظ بعد ولم تكن أفكاري قد نضجت تماماً , أضف الى هذا ذلك الصداع المريع الذي يرهبك إذا أنت أردت التفكير في شيء ..


تسير قدماي تسابق رأسي غير آبهة بما يأمرها به حتى يظن لوهلة أنها تعرف فعلاً إلى أين هي ذاهبة فيستسلم لها تحت ضغط المقولة الشهيرة """في غياب العقل الواعي يذهب الشخص إلى ما يميل إليه مسبقاً"

يبدو أنني كنت ذاهباً إلى صديق ما , ولكنني أتذكر أن كل أصدقائي على الناحية الأخرى من المدينة !!


بدأت قدماي تتوغل في الجهة المظلمة من المدينة وتتجاوز المارة والسيارات حتى بدؤوا يتناقصوا تدريجياً إلى أن اختفوا تماماً ..


لم أكن أشعر بالقلق على عكس عادتي .. أني أشعر بالخوف من الأماكن المظلمة !


وصلت إلى طريق عريض وجميل كتب على ناصيته في لافتة جميلة """الطريق إلى القمر" ! , إذن هذا هو .. أنا ذاهب إلى صديقي القمر !


بدأت في الطريق وبدأت معه في الكلام رغبة أخيرة مني أن أفرغ رأسي مما فيها من أفكار عسى ذلك أن يخفف عني بعض ذلك الصداع المزعج واختصاراً لطول الطريق الذي يبدو مملاً !لم يكن معي أحد سوى أنا والطريق , قصصت عليه كيف أن الحياة أصبحت مزعجة فوق العادة ومملة فوق الوصف ! كيف أن كل شيء أصبح يدار بالطريقة الخاطئة وكأن ذلك مقصود عمداً !


استهليت ببعض القصص الظريفة للنفاق حين يتجسد في أشياء لا أشخاص ككليتي العزيزة التي تريد أن تحصل على شهادة الجودة فتحولت – بدون معجزة – إلى المثالية القصوى بين يوم وليلته وكيف أن مدام **** الموظفة في شئون الطلبة قد عاملتني بذلك اللطف الغريب مع هذا ال( آي دي ) الذي ترتديه .. إنني ظننت حقاً أن هذا اللطف ليس مصطنعاً كما قالوا لي وإنما هي وصفة سحرية خاصة بذلك الشيء المعلق على رقبتها , تمنيت حقاً أن أرى ذلك بعد انتهاء لجنة الجودة من عملها , تمنيت أن ترد على حين أسألها بعد ذلك وحسب !


حكيت له عن بعض الأحداث المحزنة التي تحدث وكيف أن شباباً بعمر الزهور أصبحوا يتساقطون واحداً تلو الآخر كان ذلك في أحداث عنف لا يعرف أحد أولها من آخرها أو كان في حوادث خارجة عن السيطرة أو في مرض وغيره ,, كانت – ولا تزال - أحداث الوفيات من هذا النوع هي الأكثر تأثيراً فيّ و على حالتي النفسية حتى لو لم أكن أعرف الشخص الراحل تمام المعرفة ,, يكفيني أن أتخيل أمه وهي ترى نعشه في حين أن بدلة زفافه كانت جديدة لم تلبس بعد !


بدأت أردد عليه آخر الأخبار السياسية وكيف أننا نتوجه إلى حالة أخرى في - دورة سياسية ثابتة - من التناحر والتقاتل والاحتقان وكل ما هو سيء ,, وكيف لا وكلٌ يستعد للانتخابات ؟!!  


لم أنس بالطبع أن أخبره عن عودة الدوري المنتظر وكيف عادت معها دعوات التعصب والتشدد أكثر حدة وكأنهم يفرغون سنة كاملة من الكبت في وجوه بعضهم !


تكلمت معه قليلاً على أخلاقيات مجتمعنا المحطمة والفاسدة التي أصبحت هي القاعدة لا الاستثناء , وكيف أن الجميع أصبح يبغض الجميع , وأن الكل يعادي الكل , و أنه لا حياء ولا تقوى ولا أمانة الا ما ندر !!


ظللت أتكلم و أتكلم وأتكلم حتى ارتويت من الكلام بعد أن كنت قد ظمأت جراء وحدتي الطويلة ,, أضف إلى ذلك تلك الراحة العميقة مع طمأنينة النفس التي شعرت بها  !!


" أحياناً تذهب للبحث عن قدرك فتجده قادماً إليك " ..


إنتهى الطريق ولم أصل للقمر بعد حتى أدركت أن القمر كغيره من المخادعين يستدرجك بنوره لتذهب إليه ولكنك لن تصل أبداً ..


 لم يكن الصديق الذي ظننت أني ذاهب إليه هو "القمر" بل كان الطريق نفسه .. "الطريق إلى القمر" !




الخميس، 14 فبراير 2013

ثلاثة أقلام .. و ورقة !


    

في عالم مواز لم نره من قبل ولم نسمع عنه , يختلف تماما عن عالمنا .. عالم الإبداع كما لم تعهده من قبل ., في هذا العالم حيث تكون الكتب هي سادة الحكم والأقلام هي قضاة العدل وحيث يعيش البشر فقط في دور الكومبارس كأبطال لحكايات تكتب أو كعبيد تنفيذاً لأحكام تقال أو كدمى العرائس  يتحكم بها مجانين القوم منهم !..

من هذا العالم جاء قلمي الأول ,, هو سيد حر لا يطيع أحد , حتى أنا لا أستطيع الا أن أفسح له المجال ليكتب ما أراد أو ليمحو ما يشاء ..
لذا لا تتعجب بعد ذلك وتصفني بالحماقة أو تتهمني بالكذب حين أنفي ما كتب تحت اسمي أو ما نشر فوق توقيعي .. ذلك لأن قلمي هو من يسطر ما يشاء ولست أنا !!

 


عندي ثلاث أقلام .. أحدهما هو ذاك السيد الحر يكتب ما يشاء لا سيطرة لي عليه , قد يخرج صباح يوم محدثا إياك عن أهمية الحب والعاطفة و قد يخرج ليل نفس اليوم معظماً وممجداً للكره والبغضاء , هو مغرور متغطرس لا يقبل أن يعدِّل أحدٌ فوقه أو أن يصحح شخص بعده !


القلم الثاني .. هو صديقي العزيز و صاحبي المقرب , يعرف كل أسراري و يشاركني كل همومي - لا أذكر حقا منذ متى وهو معي , أعتقد أنه قد خرج للوجود مع صرختي الأولى في الحياة - نجلس كل ليلة معا في غرفتي نتسامر نضحك نرسم .. لا يشاركنا
المتعة الا تلك الورقة المحظوظة التي يقع عليها الاختيار وتكمل معنا الليلة وتعيش الى الأبد في دفتر الذكريات أو تموت في نهاية الليلة اذا لم تقبل الاتفاق , الاتفاق أن ما حدث في هذه الليلة هو سر بين ثلاثتنا لا يشاركنا اياه أحد من الوجود ,, فان أحسسنا من الورقة غدرا كانت قد كتبت النهاية لنفسها مع آخر سطر !

إياك أن تتجرأ و تسألني عما اذا كنت أتوقع الغدر من قلمي الثاني .. تبا لك !! قد أتوقع الغدر من نفسي ولا أتوقع الغدر منه !!! 


القلم الثالث .. هو ذلك القلم المحرم - الموجود في درج خاص به - الذي لم أكتب به أبدا ولا يفترض أن أكتب به أيضا .. غريب هو ذلك القلم أمتلكه ولا أمتلكه , أذكر اني حين رأيته أول مرة في ذلك الركن من تلك المكتبة العتيقة قلت للعجوز صاحبها "إنني أريده" , فرد بالنفي وقال انه ليس للبيع .. لا أذكر كم من عشرات المرات التي كنت أذهب فيها إليه لألح عليه أن أشتريه منه وبأي ثمن , ولكنه كان يرفض وبشدة , إنني أظن حقا لو أني طلبت منه أحد أولاده بنصف هذا الإلحاح لأعطاني إياه !!
مات العجوز وبعد جنازته أعطاني أحد أولاده هذا القلم ومعه رسالة : "هذا القلم لن يكتب الا في الوقت المناسب .. أتمنى ألا يأتي هذا الوقت !! " , لم أفهم بعد ماذا كان يقصد ولكن يبدو أنه لم يأتي ذاك الوقت حتى الآن !

 


في عالمنا في مكان ليس بالبعيد جدا مننا  , نشأت شجرة عتيقة في الأدغال من أجود أشجار الغابات وأقواها , ومن أفضلها حسباً ونسباً , ومن أعلاها طموحاً وثقافة .. من هذه الأسرة الكريمة من الأشجار خرج ورق ليسطر فيه أفضل الكتب ولتحكى فيه أروع الروايات أو ليحمل أغلى التوقيعات لعقود بالملايين أو شهادات لم تكتب منها اثنتان ! .. كانوا جميعا ذوي مستوى رفيع لا يليق أن تحدثهم كباقي الأشجار أو تعاملهم كباقي الورق .. كلهم - تقريبا - ماعدا تلك الورقة الخرقاء التي خرقت القاعدة .. لا تدري أهو بإرادتها أن تخرج عن مألوف قومها و عادات أسرتها أم أنها كانت رحلة منها الى المجهول الذي لم تكن تعرفه .. لم تدري فعلا ولم يدري عنها أحد , المهم أنها قد ذهبت الى حيث لا يفترض بها أن تذهب ..

..

..

..

ووقعت تحت سيطرة أقلامي الثلاثة !!




الثلاثاء، 12 فبراير 2013

بسمة



كانت فتاة جميلة لم أرها يوما الا في أعماقي أو حين أسكن الى ذاتي .. كانت فتاة أصيلة علمتني مالم يعلمني غيرها من كبار الأساتذة أو شيوخ العلماء .. هذه الفتاة علمتني الكثير جدا وهو قليل  , علمتني الابتسامة !

أذكر حين ظهرت لي وقالت : "اجعل لك من البسمة عنواناً وعش اليوم كما أردت انساناً " , لو كان قد حدثني غيرها ذلك الحديث في ذلك الوقت لكنت سببته ربما .. لم أكن في ذاك اليوم الا في أسوأ أحوالي وأضيق ظروفي على الاطلاق و كنت أبعد ما يكون عن الابتسامة , ولكنني ولسبب ما .. لم أستطع الا أن أسمعها وأستسلم لسحر ابتسامتها .. قالت لي :" ابتسم تبتسم لك الحياة " ثم اختفت , رغم أني قد سمعت هذه العبارة فوق الألف مرة من قبل الا إنني سمعتها وكأنها أول مرة .. هل ربما لأنه قد سحرني جمال ابتسامتها ورقة صوتها فاستسلمت لها أم لأنها خرجت ممن يعي جيدا ما يقول !!
مرت أيام وأسابيع وشهور ولم أبتسم , ولم أحاول حتى !

وفي أحد الأيام و حينما كنت أمشي في أحد الشوارع الفقيرة وجدت طفل صغير يلعب و يجري و جاء عندي ووقف أمامي وهو يضحك ثم جرى مسرعا لأصحابه مرة أخرى .. لا أدري لم ابتسمت ولا أعرف لكم من الوقت فعلت ذلك .. وقبل أن يتملكني شعور بالغضب نتيجة لهروب تلك الابتسامة من أعماقي دون أن تستأذن , قبل أن يحدث ذلك أحسست بذلك الشعور , نعم إنه نفس الشعور الذي أحسسته من قبل عند مقابلتي لتلك الفتاة لأول مرة وكم كان شعوراً رائعاً .. وبقدر غضبي الذي لم ينطلق كانت فرحتي بذلك الاحساس الذي لا يوصف ..
نسيت الموضوع و رجعت مرة ثانية الى أيام و أسابيع بدون ابتسامة واحدة .. حتى ذلك اليوم الآخر , حين كنت أمشي في نفس الشارع ووجدت ذلك الفقير على جانب الطريق في حالة يرثى لها , لم يكن من عادتي أن أعطيهم شيئا , وهو لم يكن يشبه أي فقير و لم يكن يطلب من الناس العطاء , اقتربت منه حتى كدت أن أصل اليه لأعطيه بعض المال فوجدته ينظر الى نظرة صارمة معناها " لا تقترب , من الأفضل لك " أحسست منه أنه كاد أن يطيح بكرامتي إن أنا أعطيته شيئا و شككت للحظة في نفسي أكنت المحتاج أم هو! , ابتعدت قليلا وعرفت من شاب يملك محلا في الجوار أنه فقير لا يسأل الناس ولا يأخذ دون مقابل , لم أكن أعرف ماذا سآخذ منه في المقابل لكنني قد أصررت أن أساعده – ربما لأنني لا أقبل أن يرفض أحد لي طلب - ,, عدت بعد يومين وقد وجدت له عمل مناسب في احدى المصانع التي يملكها أحد أقاربي , لا أتذكر تفصيلات الحوار ولكنني لا أنسى أبدا تلك الابتسامة التي علت وجهه شكراً وامتناناً , ربما تحمل من معاني الكلمات ما لا يحمله ديوان شعر كاتب فصيح ومعها ارتسمت ابتسامتي أنا أيضا  .. و رجع ذلك الشعور مرة أخرى وأحسست بنشوة مضاعفة عما قبلها ووجدت كأن فيضاناً من سحر الفتاة قد غمرني فأغرقني فيه  !
لا أكذب حين أقول انني قد أعجبني الموضوع , إبتسامة صغيرة و متعة كبيرة .. "ولم لا" : قلت لنفسي .
لم يكن الموضوع سهلاً أيضا فالابتسامة ليست عطرا ترشه على كل من يقابلك ,إنها شيء يخرج من داخلك ليصل إلى داخل من أمامك فيجعل جسرا قد نشأ بينكما و يجعلكما تتشاركان نفس الاحساس و كأنكما تعرفان بعضكما منذ زمن بعيد !!
 ولكنني قررت أن أحاول لكي أحظى بما أريد !
في اليوم التالي بينما كنت أمشي  - ربما في نفس الشارع - اذا بسائق سيارة مجنون كاد أن يصدمني , واذا بي أستعد لألقي وابلا من الشتائم ولأعلمه درساً لن ينساه , وجدته يوقف سيارته و يخرج معتذرا بسرعة أن امرأته في المشفى قد وضعت ولدها الأول وهو يريد اللحاق بها , لم أدري بنفسي حين قلت له :"لا عليك" مع ابتسامة عريضة , الا بعد ذهابه تقريباً بقرابة العشر دقائق , لقد كانت جرعة السحر قوية جدا هذه المرة لدرجة التخدير ربما لأنني من بدأ بالابتسامة , ولكنني قد بدأت أدرك حقيقة الأمر .. " الابتسامة لها سحر خاص بها , الابتسامة مرض معدي , الابتسامة إدمان , الابتسامة لها طعم مختلف حين تبدأ بها أنت " , كانت هذه العبارات تتردد في رأسي بصوت الفتاة التي لم أرها مرة أخرى ولا أعرف ان كنت سأراها أو لا ..

قررت أن أكمل فقد أصبحت الآن مريضاً بداء "الابتسامة" المعدي ولن أتوقف حتى ينتشر الوباء في العالم أجمع ,, لا حياة لي بعد الآن دون ابتسامة و حين تذكرت ما ضاع من عمري قبل أن أعرف تلك الفتاة لم أمتلك الا إبتسامة الحسرة !!


شكرا يا فتاتي ,,
لم تخبرني يوما باسمها ..
ولكني لم أتخيل أن لها اسماً آخر سوى ..
..

 "بسمة" !





الأربعاء، 6 فبراير 2013

حكايات مش بتتحكي !!


عندي هواية إلى حد ما غريبة , بمارسها كل ما أركب ميكروباص أو أتوبيس أو أروح حتة فيها ناس كتير , هوايتي اني بحب أبص في وشوش الناس , لأ مش وشوشهم .. في عيونهم تحديداً , مش عارف ليه بتستهويني الحكاية دي وبلاقي فيها متعتي الخاصة , يمكن علشان بسمع كلام كتير يتقال من خلالهم من غير ما شفايفهم تتحرك , مبكونش عارف هي الحكايات والأسرار اللي بسمعها بعيني دي هما اللي بيقولوهالي بمزاجهم ولا هما بيكونوا قافلين عليها وشباك عينيهم هو اللي بيفضحهم كل ما يتفتح , ولا هي بتكون عبارة عن شفرة أو (كود) وكأنهم بيقولولي :" أيوة دي أسرارنا لو عرفت تقراها يبقى من حقك تعرفها" !!


مبتهمنيش اوي النقطة اللي فاتت دي وبصراحة مبفكرش فيها كتير لأنني مش مستعد أغير هوايتي دي – حاليا على الأقل – وأبطل أبص في عيونهم أو حتى أستئذنهم قبل ما أعمل كده ..

ركبت الميكروباص وأبص لواحد عجوز , مع أول نظرة تحس بالشقى والتعب والبهدلة طول السنين اللي فاتت , يغمض عينيه ويفتحها وتلاقي نظرة أمل بتعرفها لما تلاقيه بيبص لبعيد مع ابتسامة صغيرة , وتعرف انه بيفكر في أولاده وأحفاده وكل حاجة حلوة سايبها في الدنيا , يرمش ويفتّح تاني تلاقيه باصص لفوق و كأنه بيقول :"يا رب أنا خلاص جايّلك أهو , يا ترى انت راضي عني ولا لأ !!" , ينهيها بتمتمة محدش سمعها , فجأة يغمض عينه ويفتحها ألاقيه بيبصلي .. أضطر اني أوجِّه نظري في حتة تانية بسرعة لحد ما يبعد بصره عني و أرجع أبصله تاني .. لقيت نظرة قلق على البلد واللي بيحصل فيها – حسيت بكده لما لقيته باصص على الطريق – وعلى جو (الأكشن) المبالغ فيه ده واللي مكنوش يتوقعوا انهم يشوفوا نصه من أول ما الحرب خلصت , يرمش تاني وألاقي بصِّة زهق من كتر التفكير من كتر اللي شافه من كتر اللي كان عايز يقوله ومقالهوش .. من كتر الحياة يمكن كمان ! ... مرة تانية ألاقيه باصصلي ومستغرب , هنا أنا مضطر أبعد عنه عيني تماماً ومش هقدر للأسف أكمل معاه الحكاية , تعرف هي دي المشكلة في الهواية بتاعتي .. لا يمكن حد هيفهم نظرتي صح أبداً , ممكن الراجل يفتكرني بحتقره أو مستغرب من شكله وممكن كمان يفتكرني بخطط اني أسرقه – اه والله – ولو كانت واحدة ست ممكن تكون فاكراني قليل الأدب أو بعاكسها او بفكر أسرق شنطتها برضه , متعرفش هو العيب فيّ اني في سن كل البلطجية – اللي هما شباب زي الورد – ولا العيب فيهم علشان هما اللي تفكيرهم على قدهم , بس بيني وبينك معذورين برضه يا جدع , هو فيه حد يصدق انك بتبص على وشوش الناس علشان تشوف عيونهم بتقول ايه !! ده ممكن يصدقوا أي حاجة من اللي فاتوا دول وميصدقوش الهبل ده , مش مشكلة , نرجع تاني لنفس الميكروباص .. ركبت ست في الأربعينيات من عمرها كده من النوع (mask face) , النوع ده مش النوع المفضل لي خالص – بالنسبة لهوايتي طبعاً – لأنك على ما تاخد منه حدوتة أو حتى مشهد من حياته هيكون حصلت مشكلة بالذات لو واحدة ست علشان أكيد هتتفهم غلط رغم انها في سن والدتي , أسيبها وأبص ناحية تانية ألاقي بنتين في سن الثانوي قاعدين جنب بعض ومعاهم نفس المذكرات – واضح انهم رايحين درس – وبالرغم من ان البنتين بيتكلموا كأنهم اصحاب لكن نظراتهم بتقول غير كده خالص , البنت الأولى واضح كده انها عندها لا مبالاة , شخصية سطحية جداً ,واخدة الحياة ببساطة أكتر من اللازم , وعايشاها كده وخلاص , تقريبا كمان ماشية مع (صاحبتها) دي علشان هي دي اللي لقتها قدامها مش أكتر !!
البنت التانية رغم انها (أقل منها جمالاً) لكن واضح انها ((مش سهلة)) زي ما بيقولوا , عارفة هي عايزة ايه كويس وبتعمل اللي هي عايزاه ,وعارفة كتير بس بتتكلم قليل , وبين كل عشر نظرات حب ومودة بتديها لـ(صاحبتها) فيه نظرة كُره أو حقد أو احتقار – مقدرتش أحدد النظرة بالضبط علشان مظلمهاش لكنها كانت نظرة سلبية وخلاص - بتوجههالها كل ما تبص بوشها الناحية التانية , يمكن شفقة عليها انها مش بالحماس بتاعها في الحياة ويمكن حقد علشان هي أجمل منها شوية , اتضح بعد اقل من دقيقتين من النظرات انهم مش صحاب بالمعنى الحقيقي للكلمة , مجرد زمايل جمعهم درس ما لفترة معينة وكل واحد هيروح لحاله  , و اضطريت برضه أبعد نظري عنهم علشان متفهمشي غلط !

لقيت ان الناس بتبصلي بنظرات مش مريحة وواضح انهم بدؤوا يتضايقوا مني فاضطريت اني ابص من الشباك في اللي اتبقالي من الطريق , رغم انها مش هوايتي المفضلة لكنها برضه بتمثلي نوع من الاسترخاء والسعادة .. ببص للطريق والمحلات و العربيات , تعرف ساعات ببص على بيت قديم واحس انه بيقوللي حاجة ساعات بحس انه بيعيط او متضايق ان محدش سامعه , ساعات ببص على محل جديد وأحس انه بيبتسم وكأنه فرحان بشبابه أو لأنه يمكن لسه ميعرفش اللي فيها !

  تحس في الآخر ان كل واحد , كل بيت , كل شارع له حكايته الخاصة , حكايته اللي ميعرفهاش غيره حكايته اللي بيفخر انها حكاية مش بتتحكي !!