كورقة خريفية باردة ترحل عن شجرتها الأم إلى الأبد ..
تترنح إلى الأرض وكأنها تود العودة .. ما بين موتها ودفنها لحظات تقضيها بين نسمات
الهواء المائلة حتى تصل إلى الأرض !
كشعلة صغيرة
دافئة تقف فوق شمعة قصيرة ممتلئة ترقد فوق حامل تقليدي قديم في بيت مظلم إلا من
ضوئها .. تمر لمحة الهواء من فتحة النافذة الاجبارية لتقتل الشعلة وتعيد للظلام سيادته
! !
في صمت .. يجلس كما اعتاد , يداعب الهدوء ويستمع إلى
السكون ..
بعد منتصف الليل و حتى بزوغ الفجر .. كما يحب هو وكما لا
يحب الجميع !
لأن بعض الأحداث أصغر من أن يتحدث فيها وبعض السخافات
أكبر من أن يعلق عليها .. يجلس في صمت !
لأن بعض الكلمات تفقد هيبتها وقدسيتها حين تخرج للحياة ,
وبعضها حين تنطق بها تدب في عروقها دماء الحماسة فتندفع جارفة أمامها أكبر من
معانيها وأعمق من مقصدها .. يجلس في صمت !
لأن بعض الأشخاص أغبى من أن يفهموك فيرهقوك طويلاً .. أو
أذكى من أن يدركوك فيشكون فيك كثيراً .. يجلس في صمت !
لأنه لا يملك ما يقوله .. ربما , لأن كل الكلام قد قيل
من قبل .. ولأن كل الأخطاء تحدث ثانية بنفس الطريقة .. يجلس في صمت !
لأنه لا يريد أن يستمع إلى أحد .. ولا يريد أن يجبر احد
إلى الاستماع إليه .. يجلس في صمت !
لأن بعض الكلمات التي تعبر عن الواقع تتصف بالبذاءة ..
تتصف بالوقاحة .. تتصف بالصدق .. !
ولأن الضجيج أصبح زائداً عن الحد !
يجلس في صمت !
يجلس في ظلام تام يستمع إلى بيتهوفن وقد وصف صمته في
سيمفونية .. ربما لأنه يعتقد أن للضوء أيضاً صوت يزعج العيون ويشتت الأذهان ..
تتعلق أوصال روحه بين النوم واليقظة .. بين الواقع
والخيال .. يريد أن يصل إلى عالم خاص به لا يفهمه غيره ولا يزعجه أحد .. يريد أن
يتحرر من القيود الاجبارية التي وُضِعت في كل حياتنا حتى أصبحنا أشبه باللعب
الالكترونية المبرمجة مسبقاً والتي تسير وفق ما برمجت إليه ..
يتمنى الصراخ و يريد البكاء .. ولأن الصراخ غير مقبول..
ولأن البكاء غير مفهوم .. ولأنه لن يتكلم ..
يجلس في صمت !!
يقول المثل " من قلَّ كلامه قلَّ لغطه " ..
لذا فربما " الصامت دائماً هو على حقٍ دائماً"
!!!


